محمد متولي الشعراوي
9570
تفسير الشعراوي
ماله ، يفعل فيه ما يشاء دون خِبْرة ودون تجربة ، إنما تختبره وتَشْركه في خِضَمِّ الحياة ومعتركها ، فيشبّ مُتمرِّساً قادراً على التصرف السليم . وفي آية أخرى قال تعالى : { وَلاَ تُؤْتُواْ السفهاء أَمْوَالَكُمُ . . . } [ النساء : 5 ] لأنهم إن بلغوا الرشْد البدنيّ فلم يبلغوا الرُّشد العقلي ، وإياك أن تقول : هو ماله يتصرف فيه كما يشاء ، فليس للسفيه مال بدليل : { وَلاَ تُؤْتُواْ السفهاء أَمْوَالَكُمُ . . . } [ النساء : 5 ] ولم يقُلْ : أموالهم ، فهو مالُكَ تحافظ عليه كأنه لك ، وأنت مسؤول عنه أمام الله ، ولا يكون مال السَّفيه له إلا إذا أحسنَ التصرف فيه . ومن الرُّشْد ما سماه القرآن الأشُدّ : { حتى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أوزعني أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ التي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وعلى وَالِدَيَّ . . . } [ الأحقاف : 15 ] . والأشُدُّ هو : التسامي في الرُّشْد وقال هنا ( أربعين سنة ) مع أننا ذكرنا أن الإنسان يبلغ رُشْد البِنْية ورُشْد العقل بعد سِنَِّ البلوغ في الخامسة عشرة تقريباً ، إذن : مَنْ لم يرشُدْ حتى الأربعين فلا أملَ فيه ، والنار أَوْلَى به ؛ لأنه حين يكفر أو ينحرف عن الطريق في عنفوانه شبابه وقوته نقول : شراسة الشباب والشهوة والمراهقة ، إلى آخر هذه الأعذار فإذا ما بلغ الأربعين فما عذره ؟ وإذا لم يتلقَّ مبادئ الرُّشْد في صِغَره وفي شبابه ، فلا شَكَّ أنه سيجد في أحداث الحياة طوال أربعين سنة واقعاً يُرشده قَهْراً عنه ،